بقلم ماري- لوسيل كوباكي
باريس (وكالة فيدس) - تحرك استثنائي: هذا ما يتبلور مع اقتراب زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا.
وقد تم حجز جميع المقاعد المتاحة للمشاركة في فعاليات الزيارة البابوية بسرعة فائقة. فقد تم توزيع الـ80 ألف تذكرة لحضور الصلاة في ملعب "ستاد دو فرانس" في أقل من ساعة، وسجل أكثر من 200 ألف شخص أسماءهم منذ الساعات الأولى لفتح باب التسجيل لحضور القداس.
وقد أثار هذا الحماس تعليقات عديدة في الصحافة الدينية والعامة. وجاء في عنوان صحيفة "لو باريزيان "كما لو انها بيونسيه: ينتظر الشباب الكاثوليكيون لاون الرابع عشر كنجم من النجوم" وقد علق أسقف سان-دينيس، إتيان غييه، لوكالة "فيدس" قائلاً "هذه علامة جميلة للكنيسة في فرنسا".
ويوجد هنا تناقض فرنسي بامتياز. فالأرقام، إذا ما تم تحليلها بشكل صحيح، تعكس التعقيدات والتناقضات — الحقيقية والظاهرية — لفرنسا العلمانية، التي لا تزال الكنيسة الكاثوليكية فيها قادرة على حشد الجماهير.
أرقام يجب التعامل معها بحذر
لا يشارك سوى 1,8% من سكان فرنسا في قداس كل أسبوع (وفقًا لاستطلاع أجرته شركة «إيبسوس» عام 2017)، في حين أن 5% فقط يشاركون فيه بانتظام إلى حد ما. ومن بين الأشخاص الذين حصلوا على سرّ العماد ككاثوليك في فرنسا، لا يصف سوى 6 % نفسهم بالمؤمنين وممارسين. في عام 2021، انخفضت نسبة الأشخاص الذين يصرحون بإيمانهم بالله إلى ما دون عتبة الـ 50% في فرنسا (استطلاع أجرته مؤسسة «إيفوب» لصالح «أجير» عام 2022). أقل من ربع الشباب الفرنسيين في هذه الفئة العمرية يعلنون أنهم كاثوليك. ومن بينهم، أكثر من ثلثهم لا يصلون أبدًا (تقرير المعهد الكاثوليكي في باريس وجامعة سانت ماري في تويكنهام بعنوان «Europe’s Young Adults and Religion»، ستيفن بوليفانت، 2018). ويعتبر 28% من المعمدين أنفسهم الآن «غير كاثوليكيين»، ولا ينوي 40 % منهم تعميد أطفالهم، مقابل 25 % في عام 2012 (استطلاع إيفوب لصالح مجلة «ميشن» بعنوان «الفرنسيون والكاثوليكية»، 2022).
ويمكن أن يُضاف إلى هذا الانهيار انخفاض عدد الملتزمين بحسب ايمانهم الكاثوليكي، وهو ما دفع المؤرخ غيوم كوشيه إلى القول إن الأمر لم يعد يتعلق بحالات انسحاب فردية بقدر ما يتعلق بانسحاب الجيل الثاني أو الثالث، مما يؤكد انقطاع سلسلة نقل الإيمان عبر الأجيال (Comment notre monde a cessé d'être chrétien. Anatomie d'un effondrement، Éditions du Seuil، 2018).
وفي الوقت نفسه، يشعر ما يقرب من فرنسي من كل اثنين، أي أكثر من 32 مليون شخص، "بالارتباط بالكاثوليكية" (استطلاع رأي أجرته مؤسسة «Viavoice» لصالح «مرصد العلمانية»، 2019). يواصل 57 % من السكان ممارسة طقوس خارج الإطار المؤسسي، مثل إشعال الشموع في الكنائس، ويزور 44 % منهم الأضرحة أو أماكن الحج، ويصلي 39 % إلى الله أو العذراء أو القديسين، ويكتب 23 % نوايا صلاتهم في السجلات المخصصة لذلك (استطلاع إيفوب لعام 2022). علاوةً على ذلك، منذ ربيع عام 2021، وفي ظل الانخفاض المستمر في عدد معمودية الأطفال على مدى عدة عقود، لوحظت زيادة غير متوقعة في طلبات المعمودية بين الشباب البالغين.
الواقع الذي «يخفى عن الأنظار»
يتيح هذا الاستعراض للإحصاءات استخلاص عدة استنتاجات غنية للرسالة.
الأمر الأول هو أن الكاثوليكية الفرنسية تنتقل من نموذج ثقافي مهيمن إلى واقع متشعب في مجتمعات صغيرة، أو ما يسميه عالم الاجتماع يان رايزون دو كليزيو "أرخبيل كاثوليكي". وقد صرّح هذا المراقب للتحولات التي تشهدها الكاثوليكية الفرنسية في إحدى المقابلات قائلاً: "هناك تدين شعبي لا يزال قائماً ويمر دون أن يلاحظه أحد، لأنه لا يندرج ضمن الفئات المعتادة المستخدمة في استطلاعات الرأي لوصف الكاثوليكية". وأضاف: "يمكن ملاحظة عودة في الرعايا للطقوس التي كانت تُعتبر شعبية في الستينيات، لا سيما التضرع للقديسين، والسيدة العذراء مريم، أو القلب المقدس"، موضحًا أن هذه الحركة مدعومة باتجاهين مستقلين عن بعضهما البعض: تزايد أعداد الكاثوليك الملتزمين بسبب الوضع الأقلوي الذي تعيشه الكاثوليكية، والذين يتسمون بحساسية دينية أكثر تقليدية، وتجديد القاعدة الشعبية للكاثوليكية من خلال تدفقات المهاجرين. "الكاثوليك الذين وصلوا من وراء المحيط أو من إفريقيا، أو حتى من أوروبا الوسطى أو منطقة البحر الأبيض المتوسط،" كما أوضح، "يعيدون إحياء ممارسات العبادة التي كانت في طريقها إلى الاندثار" (La Vie، 2024).
ومن الظواهر الأخرى التي حللها غيوم كوشيه بشكل مستفيض ظاهرة تزايد أعداد «SBNR»، أي "الروحانيون غير المتدينين" (spiritual but not religious). لم يعد هؤلاء الأفراد يجدون أنفسهم ضمن الإطار المؤسسي للأديان التقليدية (الكنائس، والعقائد، والطقوس المجتمعية)، ويحافظ جزء كبير من الجيل الجديد منهم على بحث روحي أو قناعات أو ممارسات روحية شخصية "حسب الرغبة"، أو يطورونها، وقد تستمد هذه العناصر من التراث المسيحي. ونجد ذلك في الأعمال الشعبية مثل فيلم "أفاتار"، الذي يمزج بين عناصر الشامانية والمواضيع التوراتية. "هذا النمو في أعداد ”اللاديين“ (غير المنتمين لأي دين) يضيف متغيرًا غير معروفًا استثنائيًا إلى تاريخنا الديني والفلسفي"، كما يكتب كوشيت. "يمكن، بشكل عام، التمييز بين ثلاثة أنماط سائدة: 1. "اللاأديانيون العلمانيون" أو "اللاأديانيون" العلمانيون، وهم عمومًا ملحدون أو لاأدريون، ويتزايد عددهم؛ 2. "اللاأديانيون الحدوديون" أو "اللاأديانيون الانتقاليون"، الذين هم في مرحلة انتقالية بين انتماءين، وتعتبر موقفهم مؤقتًا فقط؛ 3. "المتدينون" أو "غير المنتمين الروحيون"، وهم مؤمنون لكنهم لا يرتبطون بعقيدة أو مؤسسة دينية معينة. ويختتم قائلاً: "اعتماداً على الفئة الفرعية التي ستسود غداً، فإننا نخاطر بوجود عوالم روحية متباينة للغاية" («صعود غير المتدينين في الغرب»، Études، 2019).
التيارات الهوياتية والنيو- مثالية
ولهذا السبب يجب التعامل بحذر مع مفهومي "الأقلية" و"الابتعاد عن المسيحية"، وإلا فإنهما قد يصبحان بمثابة الأشجار التي تحجب الغابة ويشوهان المنظور التبشيري. وكما يحلل يان رايزون دو كليزيو في مقال عن البالغين الجدد المعمدين، فإن التعلق بطقوس الانتقال، والاحتفالات، والأضرحة النذرية، أو التراث المعماري (مثل كنائس القرى، ناهيك عن حريق كاتدرائية نوتردام في باريس عام 2019 الذي أثار موجة من المشاعر الوطنية) يعبّر عن ارتباط بالذاكرة الجماعية والتاريخ المحلي، فضلاً عن السعي إلى التجاوز الروحي والارتباط الاجتماعي ("المصلحة العامة") في مواجهة الفردية وعدم استقرار الحاضر. إلا أن هذا التعلق يأخذ أحيانًا بعدًا "هويتيًّا"، عندما يتم تسييس التراث لتعريف جوهر وطني لا رجعة فيه وتحديد "الأعداء". وهي إغراء موجود بقدر ما يشعر جزء من الكاثوليك الممارسين بالتراجع أو بـ"وضع الأقلية" الذي تعيشه الكاثوليكية.
ومع ذلك، فإن مسألة "الهوية" و"النقاء الروحي" (الذي يسعى إلى عزل الإيمان عن أي ثقافة) هما وجهان لعملية واحدة هي عملية العلمنة، كما يحلل الباحث. "ألا يمكن أن يكون الكاثوليك الذين يضعون الإنجيل وحده في مواجهة التراث المسيحي التاريخي قد استسلموا لـ"المونوفيزية التاريخية" التي ندد بها البابا فرنسيس في رسالته حول التاريخ؟"، يتساءل. "روحانية ترفع من شأن تفرد تجسد المسيح إلى درجة تجعله في النهاية مجرد مثال "ملائكي" بعيد المنال، دون أي مخرج زمني ممكن سوى شكل من أشكال النبوة التي يشعر المجتمع دائمًا بالذنب أمامها. يترك هذا النقاء السياسة لمن يدعون أنهم واقعيون، وقد يساهم في تهميش الإنجيل، الذي يُنظر إليه على أنه مثالية نخبوية". ويختم قائلاً: "ربما تكون سخرية معينة متعلقة بالهوية هي الجانب الآخر للنقاء الروحي. شكلان متعارضان جذريًّا، لكنهما، بشكل متناقض، راسخان في تباينهما بين الإيمان والثقافة. فشبح النقاء الثقافي وشبح النقاء الروحي يشتركان في نفس الهوس بالاختلاط، وبالتالي، بالتاريخ".
وهذا يضع العلاقة بين الإيمان والدين والثقافة في صميم الأولوية التبشيرية. ويقول ريزون دو كليوزيو: "بدون عمل جذري بشأن هذه النقطة العمياء، ستظل الاحتجاجات الروحية عاجزة عن التأثير الفعلي على الاتجاهات التي يتعين عليها مكافحتها".
التحليلات، والمفاجآت، وتوقعات القلوب
سيكون الحشد الذي سيأتي لتحية البابا ثمرة تاريخ الكاثوليكية الفرنسية ، الذي اتسم في شكله الحديث بمفارقات العلمانية. إنها حالة معقدة جدًّا وبسيطة جدًّا في آن واحد، حيث أن أبناء "الابنة البكر للكنيسة"، كما سماها يوحنا بولس الثاني، ينتظرون اليوم كما في الأمس كلمة توقظ فيهم الرغبة في "جعل من حياتهم شيئًا عظيمًا" وتدفعهم إلى الالتفات نحوالأفق. (وكالة فيدس 19/8/2026)