Vicariato Apostolico di Tabuk
بقلم باولو أفاتاتو
تابوك (وكالة فيدس) – تصمت أصوات الغونغ عندما ينشب نزاع بين مجتمعين. وتعود أصوات الغونغ إلى الرنين عندما يُستعاد السلام. في جبال شمال الفلبين، في منطقة كورديليرا، على جزيرة لوزون، بين مقاطعتي كالينغا وأباياو، يروي صوت هذه الآلات التقليدية قصة الانقسامات والمصالحة، ويعبّر عن الرغبة في اللقاء والحوار والدفاع عن الحياة. «عندما تكون قبيلتك وقبيلتي في صراع مع بعضهما، لا نقرع الغونغ. لا نقرعها إلا عندما يسود السلام في المجتمع»، هكذا أوضح الأسقف شون بوسليغ ميخيا، النائب الرسولي لتابوك، لوكالة فيدس، وهو يروي جوهر رسالة الكنيسة في هذه المنطقة، حيث يمر إعلان الإنجيل عبر العناية بالعلاقات، والوساطة في النزاعات، والدفاع عن السكان الأصليين وأراضيهم.
تضم الوكالة الرسولية لتابوك مقاطعتين، هما كالينغا وأباياو، اللتين تسكنهما مجموعات أصلية متميزة، لكل منها لغتها وتقاليدها وهويتها الخاصة. في مقاطعة كالينغا يتحدث السكان لغة الكالينغا، بينما تنتشر لغة الإيسناغ في مقاطعة أباياو. ويوضح الأسقف لوكالة فيدس أن الكنيسة تسعى إلى الحفاظ على هذا التراث الثقافي في مسيرتها التبشيرية: فالأناشيد التقليدية تدخل في الليتورجيا، وتزين المنسوجات المحلية الاحتفالات، بل وتُستخدم حتى في صناعة الملابس الكهنوتية. والتثقيف الثقافي «ليس مجرد وسيلة لجعل لغة الإيمان مألوفة، بل هو اعتراف بكرامة الشعوب وتقاليدها».
السلام، ثمرة الإيمان
في منطقة كالينغا – كما يروي الأسقف – لكل قبيلة فرعية لهجتها الخاصة ومجلس شيوخها. وقد تتسم العلاقات بين الجماعات المحلية بنزاعات حول الحدود وملكية الأراضي، أو بحوادث عنف قد تؤدي، خاصةً عند إراقة الدماء، إلى إشعال صراعات أوسع نطاقاً.
ويلاحظ المونسنيور « لمنع التوترات أو إصلاح الانقسامات، هناك «البودونغ»، وهو ميثاق السلام التقليدي الذي تبرم من خلاله المجتمعات اتفاقًا. في هذه العملية، يلعب الشيوخ دورًا أساسيًّا، بمساعدة ممثلي الكنيسة أيضًا». ويضيف ميخيا قائلاً «انّ أحد كهنتنا عضو في فريق التفاوض من أجل السلام. يتعلق الأمر بنقل سلام المسيح إلى القبائل».
ولا يقتصر وجود الكنيسة على الصلاة أو الخدمة الرعوية، بل يمتد إلى الأماكن الملموسة التي قد تنقطع فيها العلاقات. كما تصبح الاحتفالات الإفخارستية « مساحة للمصالحة، حيث يلتقي أفراد الجماعات المتنازعة من جديد ويعترفون ببعضهم البعض كإخوة وأخوات»، كما يذكر. إنها مهمة تنطوي على تنظيم الحياة الكنسية: في الواقع، يواصل النائب الرسولي قائلاً: « يتطلب توزيع الكهنة على المناطق المختلفة عنايةً خاصة، لأن التوترات بين القبائل قد تعرض للخطر حتى سلامة الكاهن القادم من مجتمع في صراع مع المجتمع الذي من المفترض أن يخدمه».
ولا يقتصر التحدي على الوساطة في النزاعات. ويلاحظ الأسقف أن العديد من المؤمنين، رغم تعميدهم وتلقينهم التعليم في المدارس الكاثوليكية، «ما زالوا بحاجة إلى تعميق إيمانهم وفهم آثاره في الحياة اليومية. فعندما تعود الخصومات القبلية إلى الظهور، يكون الخطر هو نسيان تلك القيم الإنجيلية ذاتها التي ينبغي أن توجه علاقاتنا مع الآخرين »، كما يلاحظ.
الرجاء يأتي من الأجيال الجديدة: « يقول العديد من شبابنا: ”لقد انتهينا من الصراعات القبلية، ولا نريد أن نسمع عنها بعد الآن“»، كما يروي المونسنيور ميخيا. ويشرح « يشارك الشباب في اللقاءات الكنسية، وينخرطون في العمل التطوعي ويصبحون معلمي تعليم ديني، مساهمين في تربية الأطفال. ويجدون في الجماعات المسيحية إحساسًا بالانتماء وهوية قادرة على توحيد الاختلافات دون محوها » .
التهديدات التي تواجه «البيت المشترك»
ومع ذلك، فإن السلام لا يقتصر على العلاقات بين الجماعات المحلية فحسب. ففي مقاطعتي كالينغا وأباياو، يرتبط السلام ارتباطًا وثيقًا بالدفاع عن الأرض والبيئة والظروف التي تسمح للشعوب الأصلية بالاستمرار في العيش في أراضي أجدادهم.
في أباياو، يهدد مشروع سد كهرومائي ضخم في كابوغاو بإغراق 11 من أصل 21 «بارانغاي»، وهي القرى في المنطقة. ويؤكد الأسقف أن هذا التغيير لا يقتصر على فقدان المساكن فحسب: «تواجه المجتمعات المحلية – كما يحذر – خطر فقدان مصادر رزقها وأماكن دفن موتاها، التي تشكل جزءًا أساسيًا من الذاكرة والهوية الجماعية».
ويؤكد المونسنيور ميخيا انّ «لا الكنيسة ولا النيابة الرسولية تؤيدان مشروع السد في تابوك»،، موضحاً أن موقف الكنيسة ينبع من الرغبة في احترام قرار السكان الأصليين المعنيين، في حين أن القضية هي موضوع نزاع قانوني.
وفي مقاطعة كالينغا أيضاً، تشكل أنشطة التعدين في الهواء الطلق على نطاق واسع مصدر قلق. ويندد الأسقف بخطر أن « تؤجج المصالح الاقتصادية الانقسامات داخل الجماعات نفسها»، وفقًا لاستراتيجية «فرّق تسد»: أي خلق فصائل متنافسة، وفصل الأشخاص الذين يتشاركون في الانتماء الثقافي والإقليمي نفسه. «إنها مجرد مسألة مال وربح. وهذا أمر محزن للغاية ».
في مواجهة هذه المشاريع، ترافق الكنيسة السكان الأصليين في الدفاع عن حقوقهم وتدعم اللجوء إلى الوسائل القانونية. لكن هذا الالتزام يتجلى أيضًا من خلال التوعية والمبادرات الملموسة لحماية البيئة، تماشيًا مع الرسالة البابوية «لاوداتو سي». وهكذا يصبح غرس الأشجار، والتثقيف حول احترام الخليقة، وتعزيز المسؤولية تجاه الأراضي جزءًا من رسالة واحدة.
«إن الدفاع عن «البيت المشترك»، في هذه المنطقة من الفلبين – كما يلاحظ – ليس مسألة مجردة. إنه يعني حماية القرى، ومصادر الرزق، وأماكن الذاكرة، والروابط المجتمعية. إنه يعني الاعتراف بحق السكان الأصليين في المشاركة في القرارات التي تتعلق بمستقبلهم ».
كنيسة شابة
في منطقة جبلية يصعب التنقل فيها، حيث قد يستغرق الوصول بالسيارة من كاتدرائية تابوك إلى أبعد جماعة ما يصل إلى سبع ساعات، يتم بناء الحضور الكنسي من خلال شبكة من العلاقات والالتزام اليومي من جانب الكهنة والرهبان والعلمانيين. « تضم نيابة تابوك – كما يذكر – حوالي 260 ألف كاثوليكي، و22 رعية ومحطة تبشيرية، و36 كاهنًا، بينهم كهنة أبرشيين ورهبان. تستمر الكنيسة في النمو، رغم مواجهتها لصعوبات مرتبطة بالمسافات، وتنشئة معلمي التعليم المسيحي، والدعم المالي للشباب الراغبين في السير على طريق الكهنوت»، يلاحظ الأسقف، معرباً عن شكره للمساعدات التي تتلقاها الكنيسة المحلية من دائرة التبشيرومن الأعمال الرسولية البابوية لدعم مسار تدريب ودراسة طلاب الإكليريكية الشباب.
ومن بين الأولويات التي أشار إليها الأسقف، هناك بالتحديد التنشئة في الإيمان، ومرافقة الأجيال الجديدة، وتعزيز السلام. ويؤكد« إذا لم يكن هناك سلام بين القبائل، يصبح من الصعب جدًّا فتح المدارس. فالسلام هو أول ثمار الإيمان »،
وفي هذا السياق، أطلق النيابة في عام 2023 مبادرة «نداء الألف غونغ»، التي شارك فيها أكثر من ألف عازف من مختلف القبائل وثلاثة آلاف راقص. وقد سلط هذا الحدث الضوء على الثروة الثقافية للمنطقة، لكنه يحمل، في رأي الأسقف، معنىً روحياً في المقام الأول: «إنه يعبر عن الرغبة في ألا تعود أي مجتمع إلى الانقسام بسبب العنف».
كانت الصلاة التي عهد بها المونسنيور ميخيا آنذاك إلى المشاركين في المبادرة بسيطة وملزمة: «لقد صلّينا وما زلنا نصلي كل يوم كي لا تكون هناك صراعات بين القبائل. لأنه عندما يختفي السلام، فإن كل شيء معرض للانهيار».
وفي ختام شهر تشرين الاول/أكتوبر الارسالي، تذكر شهادة كنيسة تابوك بأن التبشير يتجسد في جعل الإنجيل ملموسًا من خلال أفعال ملموسة، مثل «إصلاح الانقسامات، وتربية الشباب على روح الأخوة، والحفاظ على الثقافات، والوقوف إلى جانب من يدافعون عن أرضهم في مواجهة مصالح الاستغلال»، كما يشير.
بين الجبال في شمال الفلبين، لا تزال الصنوج تحفظ ذكرى السلام. ويأمل الأسقف « أن تدق دائمًا، معلنةً عن مجتمعات متصالحة وشعوب قادرة على العيش معًا، في أخوة، دون التخلي عن هويتها». ويختم المونسنيور ميخيا قائلاً: «انّ المسيح هو أمير السلام. فلنحيا ونصلي ونعمل حتى لا يبقى سلام المسيح مجرد كلمة تُقال خلال الليتورجيا، بل يصبح حقيقة معاشة في العلاقات بين الناس وفي العناية ببيتنا المشترك».
(وكالة فيدس 29/10/2026)