بقلم خافيير ترابيرو
مدريد (وكالة فيدس) - انّ الأب إميليانو تارديف (1928 - 1999)،هو كاهن كندي من جمعية مرسلي القلب المقدس (MSC) وواعظ معروف في حركة التجديد بالروح القدس الكاثوليكية، بدأ نشاطه التبشيري في جمهورية الدومينيكان بعد فترة وجيزة من رسامته الكهنوتية في كندا. وبعد بضع سنوات من العمل الرعوي المكثف، أصيب بمرض السل الرئوي بشكل خطير، وهو المرض الذي أجبره على العودة إلى بلده الأصلي، حيث تم إدخاله إلى المستشفى مع تشخيص غير مواتٍ. رأى الأطباء أنه يحتاج إلى عام على الأقل من العلاج حتى يتعافى. تروي قصة حياته فيلم “Día 8. El soplo del Espíritu” الذي عُرض في دور السينما في إسبانيا في 8 ايار\مايو.
كان الأب إميليانو مقتنعاً بأن مهمته يجب أن تُعاش إلى جانب أفقر الناس وأولئك الذين هم في أمس الحاجة إلى محبة يسوع الحنونة. ويُبرز الأب خواكين هيريرا، MSC، وهو المُقدِّم لملف قضية التطويب، بعض العناصر الحاسمة في تكوين روحه التبشيرية. كان أولها خبرته العائلية: فقد كان والداه متدينين للغاية، وكان والده يتميز بكرم فائق. وكان الأب إميليانو نفسه يؤكد أن والده كان يتمتع بـ”موهبة الفقر“. أما العامل الثاني فكان كاريزما مرسلي قلب يسوع الأقدس، الملتزمين بنشر رسالة يسوع في العالم، الذي يحب كل شخص بحب حنون ورحوم وقوي وثابت.
خلال فترة إقامته في المستشفى، وقعت حادثة تركت أثراً عميقاً في حياته. فقد عرضت مجموعة من ”حركة التجدد بالروح القدس الكاثوليكية“ أن تصلي من أجل شفائه. ورغم أن خبراته السابقة مع هذه الحركة في الرعايا التي كان يخدم فيها لم تكن إيجابية بشكل خاص، فقد وافق الأب إميليانو. وكان يروي أنه، بينما كانت المجموعة تصلي، شعر بحرارة شديدة في صدره وبدأ يشعر بتحسن. وبعد بضعة أيام، لاحظ الأطباء بدهشة اختفاء مرض السل تمامًا.
«شفاؤه» - كما يروي الأب خواكين - «حوله إلى رجل صلاة. والحقيقة أنني أعتقد أن الله يدعوني أنا أيضًا لأكون رجل صلاة أعمق. من يعمل مع العسل، يبقى شيء منه عليه. آمل أن يبقى عليّ أيضًا. أعتقد أن هذا العمل يدعوني إلى الصلاة، وإلى استيعابه في أعماقي. الأمر أشبه بدعوتك لإلقاء خطبة في خلوة روحية: تفعل ذلك وأنت تفكر في كيفية إيصال الإنجيل إلى من ستخاطبهم، لكنك تدرك بعد ذلك أن الأمر يخصك أنت أيضًا. فكلما عملت من أجل العطاء، يقول لك الرب إن هذا الأمر يخصك أنت أيضًا".
يروي الأب خواكين حكاية مميزة جدًا حدثت له مع الأب تارديف. ففي إحدى المحادثات، قال له الأب تارديف إنهم يشبهون الحمير التي تحمل أحمالًا ثقيلة لخدمة الآخرين. ولم يكن ليتصور أبدًا أن تلك الكلمات ستبقى راسخة في ذاكرته لدرجة أن تلك الكلمات ستصبح، بعد سنوات، عنوانًا لكتابه «أنا حمار يسوع».
التقى الأب هيريرا بالأب تارديف قبل الشفاء، ولكن بشكل أساسي بعده، عندما كان قد اتجه بالفعل إلى التبشير بيسوع الحي ورعاية موهبة الشفاء. ويتجلى التحول الداخلي بوضوح في روايته: "رأيت إميليانوًّا آخر.ظلّ إميليانو مرسلاً للقلب المقدس بكل ما للكلمة من معنى، لكنه أصبح الآن منفتحاً تماماً على الروح القدس، الذي قاده إلى طرق لم يكن ليتخيلها أبداً. كشخص، بقي كما هو: متعاون، مجتهد، وإن كان أكثر حرصاً على صحته، متواضعاً للغاية ومبتهجاً. بعد الشفاء، رأيته أكثر انفتاحاً، وأكثر قدرة على إدراك محبة الله. مع اقتناع أعمق بكلمات يسوع: "من يؤمن بي فالاعمال التي انا اعملها يعملها هو ايضا، ويعمل اعظم منها" (يو 14: 12)، التي تجسدت في خدمة الشفاء. وكان يمكن ملاحظة التغيير في حيوية روحه التي ازدادت قوة، مكرسًا تمامًا لرسالته الجديدة".
كان يتصرف ببساطة، دون أن يولي أهمية لدراسته أو ألقابه. كان يتحدث عن خبرة يسوع الحي الذي يعمل اليوم، يسوع المحب. كان يشعر أنه قد اختير لهذا الغرض بالذات. وكان يتصرف بنفس الطريقة سواء عند تعامله مع شخص متواضع في الجمهورية الدومينيكية، أو عند لقائه بالملكة فابيولا في بلجيكا. لم يكن يميز بين الناس. وكثيراً ما كان يحضر لقاءاته شخصيات بارزة. وبالفعل، عند وفاته، أعلن رئيس الجمهورية الدومينيكية يوم حداد وطني.
لم يكن الأمر مجرد مظاهرة شعبية، من قبل الناس البسطاء الذين ساعدهم والذين عمل من أجلهم كمرسل، بل كان أيضاً تقديراً على مستوى اجتماعي أعلى لعمله.
ويندرج ضمن هذا السياق أيضًا العمل الذي بدأ حاليًا على إعداد "البيان". "أنا أتعامل مع إعداد البيان باعتباره أحد «مصائد» الله»، يشرح الأب خواكين هيريرا بنبرة مازحة. "لقد انتهيت للتو من رسالة مهمة في روما لخير الكنيسة؛ كان من المفترض أن أعود كمرسل إلى أمريكا الوسطى، حيث قضيت عقودًا، لكنني قررت العودة إلى إسبانيا، والآن، بعد أن أصبح لدي المزيد من الوقت لأكرسه لأنشطة ’فكرية‘ أكثر، تبدأ مرحلة صياغة ملّف دعوى التقديس لقضية إميليانو تارديف. وهو عمل سبق أن قمت به مع الشهداء المباركين من كيتشي في غواتيمالا. سأعتني به بحماس، وأعلم أنه سيكلفني الكثير، لكن الله سيساعدني. آمل أن أتمتع بالصحة اللازمة لإنجازه. ربما أتمكن من تسليم ملّف الدعوى في غضون عام ونصف".
ويواصل قائلاً: "بمجرد تولي المهمة وانتظاراً لـ 12 مجلداً من الوثائق الخاصة بالمرحلة الأبرشية، أشعر بالفعل بالحاجة إلى الصلاة. لا أعرف ما يخبئه لي هذا المسار؛سوف ينيرني الروح القدس. وكان نص الصورة التذكارية لرسامتي يقول: "هوذا كالطين بيد الفخاري انتم هكذا بيدي" (إرميا 18: 6). ويختم قائلاً: "إنها إحدى الأمور التي اكتشفتُها من جديد في إميليانو، أو على الأقل التي أصبحتُ أكثر وعياً بها: فقد استطاع هو أيضاً أن ينأى بنفسه عن أشياء كثيرة ليحقق ما عهد به الله إليه، أي إعلان يسوع الحي وشفاء الأشخاص الذين يعانون من صعوبات كبيرة". (وكالة فيدس 20/5/2026)