روما (وكالة فيدس) في كلمته الافتتاحية التي ألقاها في الجامعة الحبرية الأوربانية في 12 ايار\ مايو، اختار الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، رئيس دائرة عقيدة الإيمان، موضوعًا حساسًا للحديث عن اللاهوت السياقي: عقيدة الحرب العادلة. " لنأخذ، على سبيل المثال، عقيدة الحرب العادلة. صحيح أن هذه العقيدة تحتوي على عناصر لا تزال سارية حتى اليوم. لكن المشكلة هي أن هناك اليوم مجموعات كاثوليكية منخرطة في السياسة، تحركها الكهنوت، وتستخدم هذه العقيدة لتبرير جميع الحروب باعتبارها أشكالاً من ”الدفاع المشروع“. واستناداً إلى حاجة مزعومة وملحة للدفاع، فإنهم يقللون من أهمية شروط الحرب العادلة أو يفسرونها تفسيراً واسعاً للغاية. وهذا يظهر ضرورة تكييف هذه العقيدة مع السياق الحالي، وإعادة التفكير فيها وجعلها أكثر دقة وذات مغزى حقيقي"، كما صرح.
اللاهوت السياقي كمجال للتمييز
منذ البداية، كانت اللهجة واضحة: يمكن لللاهوت السياقي أن يساعد في إعادة النظر في الفئات الكلاسيكية لتجنب استخدامها كأداة. وهكذا يظهر اللاهوت السياقي كمجال للتمييز العقائدي، أكثر من كونه بؤرة للنسبية.
وانطلاقاً بشكل أساسي من هذه الحالة البالغة الوضوح، بدأ اليوم الدراسي الذي حمل عنوان "معالم اللاهوت السياقي اليوم"، بعد كلمة الترحيب التي ألقاها رئيس الجامعة، البروفيسور فينتشنزو بونومو، تمّ استكشاف أهمية هذه "اللاهوت السياقي بشكل أساسي"، الذي أشار إليه البابا فرنسيس بشكل خاص في المرسوم البابوي Ad theologiam promovendam، والذي وصفه البروفيسور ستيف بيفانز قائلاً بأنه "منعطف حقيقي في التعليم الكنسي".
ولتوضيح فكرته، استشهد الكاردينال أيضًا بتجربته الشخصية، مستعيدًا ذكرى حادثة مهمة. ففي مقال نشر عام 2007، دافع فيكتور مانويل فرنانديز عن الكاهن اليسوعي السلفادوري جون سوبرينو، وهو شخصية بارزة في لاهوت التحرير، وكان موضوع إشعار صادر عن مجمع عقيدة الإيمان. وقد أدان هذا النص عبارة قالها سوبرينو مفادها أن الفقراء، في التفكير اللاتيني الأمريكي، يشكلون مكانًا لاهوتيًا يحدد مسار التفكير منذ البداية. عارض الإشعار هذا النهج، مؤكداً أن " المكان اللاهوتي الأساسي لا يمكن أن يكون سوى إيمان الكنيسة"، وشدّد بشكل أساسي إلى أن "نقاط الانطلاق الأخرى للعمل اللاهوتي تنطوي على خطر التعسف وتؤدي في النهاية إلى تشويه محتوياته".
وفي هذا الصدد، أشار الكاردينال إلى ما يلي: "لهذا السبب، أكدت في مقالتي تلك أن إيمان الكنيسة هو بالتأكيد نقطة الانطلاق الأساسية، والمكان اللاهوتي الرئيسي، لكن هذا لا يستبعد نقاط انطلاق أخرى تكميلية، وليست بديلة، تجعل من كل تأمل «منذ البداية» موضع تساؤل. وفي هذا السياق، اقترحت التحدث عن «سياق مباشر لا مفر منه»، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بنقطة الانطلاق الأساسية التي هي الوحي».
عند تعيينه رئيسًا للجامعة الكاثوليكية الحبرية في الأرجنتين عام 2010، أثار هذا المقال بعض التحفظات في روما وأدى إلى تأخير إصدار شهادة «لا مانع» (nihil obstat). وعقب تبادل الآراء مع الدائرة، نشر في عام 2011 نصًا ثانيًا، أكد فيه قناعاته لكنه أوضح بعض الفقرات، مضيفًا، من بين أمور أخرى، أن "إيمان الكنيسة هو بالذات الذي يوفر الأسس الأكثر صلابة وعمقًا لننظر إلى الفقراء كما ينظر إليهم الله وللاهتمامم باوضاعهم" وأن " لا أحد يدرك الشر المتمثل في الاعتداءات على كرامة المهمشين أفضل ممن ينيرهم إيمان الكنيسة”. ومع ذلك، استمر في التأكيد على أن مجرد قبول تقاليد الكنيسة قد يجعلنا غير مبالين بالتاريخ الذي وضعنا الله فيه، إذا لم تكن أعيننا مفتوحة في الوقت نفسه على ما يحدث حولنا: "لهذا السبب أعدت طرح عبارة ”السياق المباشر الذي لا مفر منه“، موضحًا أن هذا السياق لا مفر منه لأنه ”عندما يفكر اللاهوتي، لا يمكنه أن يتجاهل تمامًا أو يضع بين قوسين الوضع المؤلم الذي يتحمله معظم شعب الله في المكان الذي يعيش فيه“، وأن السياق ”يدعو من يتلقى الوحي إلى اكتشاف جوانب أخرى من ثروته التي لا تنضب“.
واختتم الكاردينال كلمته الغنية بالمعلومات مشيرًا إلى أن "حوار اللاهوت مع السياق المحلي وكل جهد للتفلم الثقافي يجب أن ينطلق من جوهر الإنجيل، أي الكيريغما، وليس من الحقائق الهامشية. فهذا الإعلان الأولي لا يقتصر على البداية فحسب، عندما يُقدَّم الإنجيل لشخص ما للمرة الأولى. إنه شامل، ويجب أن يخترق كل التعليم المسيحي وكل اللاهوت، في جميع مواضيعه، كخيط رفيع مركزي وثابت (راجع فرح الانجيل 164-165). إنه الإعلان الذي يوقظ تجربة اللقاء مع المسيح الحي. ومن هناك ينبثق كل عملية لقاء بين الإنجيل وسياق مكان معين".
التسلسل الزمني
بعد كلمة الكاردينال فرنانديز، أشار البروفيسور ستيفن بيفانز، عالم الإرساليات البارز، إلى أن "يوم 1 تشرين الثاني \ نوفمبر 2023 شكّل محطة أساسية" مع صدور الرسالة الرسولية "لتعزيز اللاهوت"( Ad Theologiam Promovendam)، التي دعا فيها البابا فرنسيس إلى "تغيير في النموذج" لكي يكون اللاهوت "سياقياً في جوهره"؛ لكنه أوضح كيف أن هذا التوجه متجذر في التاريخ الطويل للاهوت. من الأصوات الكتابية المختلفة وصولاً إلى التوليفات الكبرى لأوغسطينوس وتوماس الأكويني، لطالما تم التفكير في الإيمان انطلاقاً من مواقف تاريخية ملموسة. إن تأكيد نيقية، الذي ينص على أن الكلمة المتجسد هو "من جوهر الآب نفسه"، يوضح هذه الديناميكية: فقد استطاعت العقيدة "أن تشمل تعبيرات وأشكال تفكير الفلسفة المعاصرة" دون خيانة الإيمان. وأقرب إلينا، تبدو رسالة «Rerum novarum» للبابا لاون الثالث عشر، بالنسبة لبيفانز، كلاهوت سياقي تّمت صياغته في مواجهة شرور الثورة الصناعية.
من جانبه، ربط الأستاذ والأب أمبرواز أتاكبا بشكل وثيق بين اللاهوت السياقي والتعددية الثقافية. " انّ اللاهوت السياقي والتعددية الثقافية هما وجهان لعملة واحدة"، كما يؤكد: فالأول هو "نتيجة" للثاني. وقد أشار إلى التوجيه الصادر عام 1659 والموجه إلى المرسلين في الصين والهند الصينية، والذي حذر قائلاً: "ليس هناك ما هو أكثر سخافة من الرغبة في جلب فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا أو أي جزء آخر من أوروبا إلى الصين. ليس هذا كل ما عليكم جلبه، بل الإيمان، الإيمان الذي لا يرفض ولا يسيء إلى أسلوب حياة وعادات أي شعب"، ما لم تتعارض مع الإنجيل.
في سياق المجمع الفاتيكاني الثاني، سلط الضوء على نص اللجنة اللاهوتية الدولية بعنوان "وحدة الإيمان وتعددية اللاهوت" (1972). وتؤكد إحدى أطروحاته أن "وحدة وتعددية التعبير عن الإيمان تجدان أساسهما النهائي في سر المسيح نفسه"، الذي "يتجاوز إمكانيات التعبير في أي عصر من عصور التاريخ"؛ وتؤكد أنه "بسبب الطابع العالمي والتبشيري للإيمان المسيحي، يجب إعادة التفكير في الأحداث والكلمات التي كشفها الله، وإعادة صياغتها، وتجسيدها من جديد داخل كل ثقافة بشرية"، في حين أن الإنجيل يقود كل ثقافة "إلى كمالها" ويخضعها في الوقت نفسه "لنقد خلاقي".
حوار بين القارات الخمس
وقد جسد الجزء الثاني من اليوم هذه الآفاق في سياقات ملموسة، بفضل مداخلات لعلماء لاهوت من معاهد تابعة للجامعة الحبرية الأوربانية في أوقيانوسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا وأفريقيا.
في أوقيانوسيا، تنشأ اللاهوت حرفياً من ارتفاع منسوب مياه البحار. وفي مواجهة التهديد الذي يخيم على جزر مثل كيريباس أو توفالو، "يعيش الكثيرون في خوف من فقدان «فونوا» (أرضهم)، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهويتهم وشعورهم بالانتماء"، كما أوضح الأب توتايلوبو، الذي قطع رحلة جوية دامت سبع وعشرين ساعة لحضور المؤتمر. وفي هذا السياق، شدد على أن "اللاهوت يصبح الصوت النبوي الذي يدين الظلم ويشجع على الحفاظ على البيئة"، بروح فرح ورجاء (Gaudium et Spes) وكن مسبّحاً(Laudato Si).
في أمريكا اللاتينية، أشار خوان أنطونيو برادو إلى أن لاهوت التحرير نشأ من التقاطع بين الفقر والسياسات النيوليبرالية. وكان إجناسيو إيلاكوريا يتحدث عن «فقراء الأرض» باعتبارهم المكان الذي تُحدد فيه حقيقة الإنجيل؛ وكان غوستافو غوتيريز يؤكد على أنه "لن يكون من الممكن إحراز تقدم في لاهوت التحرير ما لم يبرر الفقراء بأنفسهم أملهم، انطلاقاً من عالمهم وبمصطلحاتهم الخاصة". ومن هذا المنظور، فإن الفقراء ليسوا مجرد موضوع للتفكير اللاهوتي، بل هم فاعلون فيه.
في آسيا، أشار الاسقف بيتر بول سالدانها إلى أنه، وفقاً لخطّ اتحاد المجالس الأسقفية الآسيوية، يُنظر إلى الرسالة على أنها «حوار ثلاثي» مع الفقراء والثقافات والأديان. واستشهد بمنهج «أنوبهافا-فيشارا-آكارا» (الخبرة - التفكير - العمل) ونقل عن مايكل أمالادوس قوله: "يعطي الشرق الأولوية للخبرة. الممارسة أهم من النظرية؛ الممارسة تغذي النظرية وأحيانًا تعيد طرحها للنقاش". وأظهر كيف يسعى اللاهوت الآسيوي إلى لغة شاملة، حيث "الواقع حواري وشامل ومتناغم" وحيث يُفضل الحديث عن المطلق باعتباره "مطلقًا في النسبي".
وأخيرًا، في أفريقيا، استعرض الأب ميشيل وينسيسلاس تيندريبيوغو مسار "لاهوت في السياق الأفريقي جنوب الصحراء": من «التكييف» إلى «التجسد»، ثم إلى التحرير وإعادة البناء. وقد بحث اللاهوتيون الأفارقة في ثقافاتهم عن صور قادرة على التعبير عن المسيح – «السلف»، «الأخ الأكبر»، «معلم التلمذة»، «المعالج»، «الزعيم» – ويعد خيار «كنيسة-عائلة الله»، الذي شجعه يوحنا بولس الثاني، في نظره «الثمرة الفعلية للحوار بين اللاهوت الأفريقي وسياقه».
الكاثوليكية اللاهوتية
في الختام، أظهرت الندوة التي عُقدت في جامعة أوربانيانا مفهوماً لـ«الكاثوليكية» اللاهوتية، حيث تدخل اللاهوتات المحلية في حوار نقدي ومثمر فيما بينها. وفي كلمته الافتتاحية، حذر الكاردينال فرنانديز من «تجميد» الفكر حول «اللاهوت الروماني الكلاسيكي» ولاهوت «شمال أوروبا»: "في بعض الأحيان، نحتاج إلى شخص مجنون، مغرم بجنون بأرضه وشعبه، قادر على تمييز الإنجيل عن بعض الطبقات الثقافية التي تراكمت عليه دون أن تشكل جزءًا أساسيًا من رسالته، وبالتالي إعادة قراءته في ضوء ما يعيشه شعبه. إن الأمر يتعلق إذن بإثارة ما يمكن أن نسميه ليس فقط ”حدثًا روحيًا“، بل أيضًا ”حدثًا ثقافيًا ولغويًا“ يسمح للشعب بأن يشعر بأنه معبر عنه بالكامل في رسالة الإنجيل"، كما أكّد.
من جانبه، أشار ستيف بيفانز إلى أنه وإن كانت اللاهوت السياقي ضرورة ملحة، فإنها ليست سوى مرحلة من مراحل عملية قد تكون المرحلة التالية منها «كاثوليكية جديدة» لاهوتية، حيث يدخل اللاهوت المحلي في حوار نقدي ومثمر فيما بينها لتغني بعضها بعضًا. ويقول: "لا يمكن للاهوت أن يزدهر إلا إذا كان على اتصال بشعوب العالم أجمع، وبالكنيسة بأسرها. أعتقد أنه كلما كنا أكثر انفتاحًا على الآخرين، كلما ازدهرت لاهوتاتنا السياقية في خصوصيتها. لا ينبغي أبدًا أن تنعزل فئات اللاهوت عن بعضها البعض. فيمكن لفئات اللاهوت دائمًا أن تتعلم من بعضها البعض».
انّ هذه الرحلة الطويلة عبر اللاهوت السياقي أمر أساسي لأنها تُظهر مدى عدم كفاية الاكتفاء بالمسلّمات المسبقة والشعارات في التفكير في الرسالة والتاقلم الثقافي. إن فهم المواقف والسياقات، بعيدًا عن الانفتاح على النسبية أو تقديس الثقافات، يسمح على العكس من ذلك بنهج أكثر دقة تجاه تعقيد الواقع وفهم الإيمان... في خدمة الرسالة. (م.ل.) (وكالة فيدس 13/5/2026)