"البوصلة" التي وضعها الأسقف نواتشوكو لـ"الناشطين الإعلاميين الكاثوليك": تلاميذ قبل أن تكونوا 'مؤثرين'"

الجمعة, 7 أغسطس 2026 انترنت     الرسالة   اتصالات اجتماعية   المعايير    

كيغالي (وكالة فيدس) – عندما "أصدر يسوع الوصية النهائية: 'اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم '، لم يكن يخاطب فقط، ولا حتى بشكل أساسي، المتخصصين في مجال الإعلام. بل كان يخاطب جميع تلاميذه". و"إن العاملين في مجال الإعلام الكاثوليكيين هم قبل كل شيء تلاميذ، قبل أن يكونوا مؤثرين". إننا مدعوون إلى الاعتراف بواقعية مسيحية بأن ؛حضارة المحبة التي أشار إليها البابا بولس السادس مسبقًا، والتي يُشير إليها الآن البابا لاون الرابع عشر في خطاباته، لن تُبنى أبدًا 'بواسطة خوارزميات أفضل'، بل بواسطة تلاميذ يحملون معهم، أحيانًا بشكل شبه عفوي، 'كاميرات وميكروفونات وأجهزة كمبيوتر محمولة: نساء ورجال يدركون أن كون المرء تلميذاً يجب أن يأتي دائماً قبل كونه مؤثراً".

إن الكلمة البارزة التي ألقاها في 4 آب/ أغسطس الاسقف فورتوناتوس نواشوكو، الذي افتتح المؤتمر الدولي لـ«سيغنيس» (SIGNIS) الذي يستمر حتى يوم السبت 8 آب/ أغسطس في كيغالي، عاصمة رواندا، مشبعة بالواقعية المسيحية و"حس الكنيسة" (sensus Ecclesiae).
SIGNIS، وهي جمعية كاثوليكية عالمية، هي شبكة عالمية تضم محترفي وسائل الإعلام الكاثوليكية في أكثر من 100 دولة.
وفي كلمته الموجهة رمزياً إلى عائلة "المتخصصين في مجال الاعلام الكاثوليكي"، قدم أمين سر دائرة التبشير بوصلة قيّمة لتجنب كل من الصور النمطية الكارثية والتفاؤل المفرط حول تلك "الأفق غير المحدود والفرص الجديدة" الوهمية التي يُزعم أن العصر الرقمي الجديد والذكاء الاصطناعي سيفتحانها أيضًا أمام العمل الرسولي وإعلان الإنجيل.

"التكنولوجيا ليست أبدًا أداة محايدة"

بواقعية الإيمان، مستلهمًا أيضًا البصائر الواردة في رسالة البابا لاون الرابع عشر *Magnifica homanitas*، يصف أمين سر دائرة التبشير الواقع بموضوعية، بعيدًا عن التوافق الأعمى مع الدعاية. وهو يقرّ بأن "نحن نعيش في عصر لم يعد فيه التواصل يقتصر على وصف العالم، بل يصيغه". انّه عصر "يمكن فيه مشاهدة مقطع فيديو قصير تم تصويره في كيغالي في مانيلا في غضون بضع دقائق. ويمكن لخطبة إلقاها كاهن في رعية صغيرة على مرتفعات كليمنجارو أن تصل إلى جالية من الشتات في بروكسل قبل حتى أن تُعطى البركة الختامية للقداس".

لقد "هدم الإنترنت الحدود الجغرافية، وبذلك وضع أداة استثنائية للالتقاء — أو للانقسام — بين يدي جيل واحد، جيلنا".

ويلاحظ رئيس الأساقفة النيجيري أن التواصل الرقمي، إذا تُرك لمنطق الخوارزميات وحده، "قد يؤدي إلى توليد وتغذية النزعة القبلية بدلاً من التآلف والتضامن".
ومن الواضح أن "التواصل الرقمي، القائم حصريًّا على الخوارزميات، يميل إلى تفضيل ما يثير الضجة، وليس ما هو صحيح؛ وما يثير الاستقطاب، وليس ما يوفق بين الناس". ويرجع ذلك إلى حقيقة أن التكنولوجيا "ليست أبدًا أداة محايدة". لذا لا ينبغي أن ننسب إليها أي قيمة خلاصية.

وفي الوقت نفسه – كما يؤكد فورتوناتوس نواشوكو – "اليوم، تتواجد الأمم، أو «جميع الأمم» الواردة في وصية الرب، أيضًا على إنستغرام وتيك توك ويوتيوب وعلى منصات لا حصر لها لم تكن موجودة قبل جيل واحد فقط. وإذا كانت هذه المنصات هي الآن المكان الذي يبحث فيه الناس عن الحقيقة، ومعنى لحياتهم، وشعور بالانتماء، فإن هذا هو المكان الذي يجب أن يتواجد فيه القائمون على التواصل في الكنيسة أيضًا — ليس لجذب الانتباه، بل لتقديم الشهادة بحكمة ومحبة".

إن الحكمة والمحبة هما بالذات ما يميزان الشهادة المسيحية، أكثر بكثير من المهارات التقنية و"المهنية"، وهما اللتان يمكن أن تساعدا القائمين على التواصل الكاثوليكيين على إدراك أن "لانسجام الثقافي ليس ثمرة خوارزميات تختزل كل شعب إلى محتوى واحد، ولا نتيجة لثقافة أحادية معولمة تمحو ما هو مميز وجميل في كل أمة".
ويذكر رئيس الأساقفة، مستنداً إلى خبرته كعالم في الكتاب المقدس، أن النص الكتابي "يعلمنا أن الله يحب الاختلافات". وبالفعل، "لقد خلق جميع الكائنات الحية حسب نوعها أو اختلافاتها". الإنسان وحده "خُلق على صورة الله. وبالتالي، فإن الانسجام الثقافي لا يتحقق بمحو الاختلافات".

الميول والتوجهات

"هناك سمة أخرى تحدد خيارات المبلغين الكاثوليكيين الحقيقيين"، يتابع أمين سر دائرة التبشير، "وهي تفضيلهم للفقراء والضعفاء. "قبل اختراع الطباعة بوقت طويل، ناهيك عن الهواتف الذكية، كان هذا يُعتبر بالفعل رسالة مقدسة. كان أنبياء إسرائيل يمنحون الأرملة واليتيم والغريب حق التعبير؛ وكان المسيح نفسه يتعاطف مع 'الأخيرين'". ويضيف رئيس الأساقفة: "إن الصحفي أو المخرج أو المذيع الكاثوليكي يرث هذه الرسالة النبوية نفسها. فمهنتكم ليست مجرد مهارة مهنية؛ بل هي دعوة لتكونوا صوت أولئك الذين سكتهم المجتمع: المهاجر غير الحامل لوثائق، والمجتمع الريفي الذي لا صوت له، وضحية الإساءة التي لا منبر لها، والعامل الذي لا ينتمي إلى نقابة، والطفل الذي لا مدافع عنه".

كما يسلط نواتشوكو الضوء على التوترات بين الترويج الذاتي لهذا العصر الرقمي الجديد والذكاء الاصطناعي، من جهة، والالتزام بالواقع الذي ينبغي أن يميز عمل المهنيين في مجال الإعلام والاتصال الذين تحركهم الإيمان بالمسيح، من جهة أخرى. ولا يخفي أن هذه الحقيقة الرقمية الجديدة هي أداة قوية للتلاعب بالقلوب والعقول في جميع أنحاء العالم.

"كل خوارزمية، على جميع المنصات التي تستخدمونها"، كما يقر نواتشوكو، "مبرمجة لتضخيم صوت الأقوياء والأثرياء وأولئك الذين هم مشهورون بالفعل. يتطلب الأمر خيارًا متعمدًا وشجاعًا، وغالبًا ما يكون مكلفًا، لتوجيه الميكروفون بدلاً من ذلك نحو أولئك الذين تفضل الخوارزميات تجاهلهم".
كان المؤتمر الدولي لـ'سيغنيس' مكرسًا لـ"التواصل الرقمي من أجل الانسجام الثقافي والرفاه البيئي". "كما علّمنا البابا فرنسيس في 'كن مسبّحاً '*Laudato Si’*، يلاحظ رئيس الأساقفة في إشارة إلى موضوع المؤتمر، "يجب أن يتضمن النهج البيئي الحقيقي قضايا العدالة، من أجل الاستماع في آن واحد إلى صرخة الأرض وصرخة الفقراء'.

وهنا أيضًا، تلعب الاتصالات الرقمية "دورًا حاسمًا. فهي قادرة على إظهار ما يفضل الأقوياء إخفاءه: الجفاف في منطقة ما، والفيضانات في منطقة أخرى، والمجتمع النازح بسبب استخراج أو استغلال الموارد دون موافقته أبدًا. كما أنها قادرة على دفن هذه الحقائق تحت سيل لا نهائي من وسائل التسلية".

تقليد المسيح حتى في العالم الرقمي

السمات المميزة "للاعلامي الكاثوليكي " – كما يؤكد رئيس الأساقفة نواشوكو في كلمته – تتجلى في التفضيلات، والنظرة النقدية، والانفتاح الذهني، والولاء للواقع. لكن مصدر عمله ينبع من سر تشبهه بالمسيح نفسه. فـ" الاعلامي الكاثوليكي ليس مجرد تسمية نحملها، بل هي هوية نجسدها". و"كل عمل تواصل أصيل يجد، في التحليل النهائي، نموذجه في المسيح نفسه، الكلمة الأبدية المتجسد، الذي جاء ليس فقط ليعلن الحقيقة، بل ليكشفها في شخصه، مصالحًا البشرية مع الله وفيما بيها".

ولهذا السبب "فكل مقال تكتبونه، وكل صورة تنشرونها، وكل فيلم وثائقي تنتجونه"، كما يذكّر أمين سرّ دائرة التبشير، مستشهداً بالخيار الذي حدده البابا لاون الرابع عشر سابقاً في *Magnifica Humanitas* — "هو لبنة تُوضع لبناء مدينة ما، إما برج بابل جديد أو مدينة الله الجديدة. لا يوجد موقع بناء محايد".

أربعة محاور لـ«المرسلين الرقميين»

من أجل ترجمة هذه الاقتراحات والتوجيهات إلى واقع ملموس، ذهب رئيس الأساقفة نواشوكو، في كلمته أمام مؤتمر SIGNIS، إلى حد تحديد أربعة محاور عمل لـ«المرسلين الرقميين»، مقدماً إياها في شكل "دعوات موجزة" موجهة بشكل خاص إلى الشباب العاملين في مجال الاتصال.
فقد دعاهم أولاً إلى "بناء العقول قبل بناء المنصات"، مذكراً إياهم بأن "الفهم السطحي لثقافتهم وثقافة الآخرين لا يمكن أن يولد انسجاماً ثقافياً. وقال"اقرؤوا بعمق. استمعوا لفترة أطول مما تتحدثون". ويواصل رئيس الأساقفة حديثه مشيرًا إلى "الحدود الثانية"، قائلاً: "يجب أن يُسلك كل 'مسار رقمي' باعتباره طريقًا يؤدي إلى اللقاء، وليس إلى القبلية أو الانقسامات. فكل قصة تروونها يمكن أن تدافع عن كرامة شعب ما، أو أن تحطّ من شأنه وتحوّله إلى صورة كاريكاتورية. اختاروا الخيار الأول، حتى لو كان من المرجح أن تحصلوا على عدد أكبر من النقرات بالخيار الثاني".
أما 'النصيحة الصغيرة' الثالثة التي قدمها أمين سر دائرة التبشير فهي اعتبار الحفاظ على الخليقة "جزءًا لا يتجزأ من القصة التي تروونها، وليس مجرد تفكير لاحق". أما 'الحد' الرابع، وهو حد حاسم، فيتزامن مع الدعوة إلى تذكر "أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدكم في البحث، لكنه لا يمكن أن يحل محلكم في الشهادة": "اجعلوا التكنولوجيا في خدمة رسالتكم. ولا تسمحوا أبدًا – كما يؤكد رئيس الأساقفة – بأن تحل محل ضميركم".

صوت (وفخر) الكنائس الأفريقية «المراهقة»

منذ بداية خطابه، يذكر فورتوناتوس نواشوكو بأن المؤتمر الدولي لـ«سيغنيس» (SIGNIS) لعام 2026 هو الأول في سلسلة طويلة من المؤتمرات التي ستُعقد في أفريقيا، وأن هذا الواقع "يُعلِم الكنيسة العالمية ما يعرفه الكثيرون منا منذ زمن طويل: أن الكنيسة في أفريقيا قد بلغت الآن مرحلة النضج، وأن صوتها وطاقتها وأملها لديها ما تقدمه من أمور جوهرية لمجمل جماعة المؤمنين".

ويضيف رئيس الأساقفة النيجيري أن صوت الكنيسة في أفريقيا "لم يعد، ولا ينبغي أن يُعامل بعد الآن، كصوت مولود جديد في مهده"، يحتاج إلى تلقي 'الحليب' من الكنائس ذات التقاليد الأقدم. بل على العكس، فقد حان الوقت "لكي تستيقظ كنائس أفريقيا وتبدأ في التصرف، على الأقل كمراهقين، بل وكبالغين كاملين، قادرين على تلبية جزء كبير من احتياجاتهم الأساسية".

رواندا، البلد المضيف – كما يؤكد أمين سرّ دائرة التبشير، في إشارة إلى مأساة الإبادة الجماعية العرقية التي طغت على تاريخ رواندا – "تدرك أكثر من معظم دول العالم ما يُفقد عندما يُسمح للتواصل بأن يصبح أداة للانقسام بدلاً من أن يكون أداة للحقيقة، وما يُكسب عندما يختار شعب ما، عن عمد وفي خضم المعاناة، الطريق الأصعب نحو المصالحة".
ويضيف رئيس الأساقفة النيجيري في هذا الصدد أن هذه البلاد "تُعد من بين تلك التي تبعث الفخر في نفوسنا كأفارقة، إذ تثبت أن أفريقيا أيضًا قادرة على الحشد عندما تتوفر لديها قيادات شجاعة تهتم بصدق بمصلحة شعبها، حتى وإن كانت غير كاملة كأي إنسان". (ج.ف.) (وكالة فيدس 7/8/2026)


مشاركة:
انترنت


intelligenza artificiale


الرسالة


اتصالات اجتماعية


dicastero per l'evangelizzazione